إيران: احتجاجات عابرة أم نظام حان وقت سقوطه

إيران: احتجاجات عابرة أم نظام حان وقت سقوطه

 

 

نبيل أحمد شحاده-  عاد اسم إيران في الأيام الأخيرة إلى واجهة المشهد الدولي، وهذه المرة ليس كملف نووي، أو حرب إقليمية، بل كساحة داخلية تغلي على وقع انهيارٍ اقتصادي فادح، وضغط اجتماعي تراكم عبر عقود بسبب الفساد والفشل الإداري والاهتمامات الخارجية.

موجةُ الاحتجاجات المتصاعدة، اندلعت اساساً على خلفيةِ تدهور العملة المحلية، وارتفاعِ الأسعار بشكلٍ جنوني، وتآكل القدرة الشرائية لدى الإيرانيين، ثم في مرحلةٍ لاحقة، ظهرت الشعارات السياسية، لتتخذ فيما بعد ملامح ثورة شعبية اتسعت رقعتُها مع تزايدِ أعداد الضحايا، واعتقال القوى الأمنية للعشرات من المتظاهرين. وكالات أنباء تحدثت عن احتجاجاتٍ امتدت إلى عشرات المدن والبلدات، وشهدت إحراقَ مراكزَ للحرس الثوري، وصور للخامنئي وقاسم سليماني وغيرهما.

وسط كل ذلك، يطرح سؤال نفسه وهو: هل نحن أمام موجة غضب عابرة ستتمكن السلطة من قمعها وانهائها بالقوة والاعتقالات والقليل من الوعود التي تتبخر مع الوقت؟ أمّ إن إيران، ستقف هذه المرة أمام منعطف تغيير حقيقي، ويتصدّع بنتيجتها النظام؟

هذه الأسئلة لا يُمكن أن يُجاب عليها بانفعال وتوقعات حماسية، بل يجب قراءة الوضعِ الداخلي بهدوء والنظر جيداً فيما يُمكن رؤيته من موازين القوة داخل بنية النظام، وبنية المجتمع، والأهم هو، مواقف الخارج الذي يُراقب كل شيء، ولكنه لا يتدخل إلا وفق مصالحه وحساباته الدقيقة.

 

نعود إلى المربع الأول، ونسأل: ما الذي يحرّك الشارع الإيراني الآن؟

ما يجري في إيران هو تحركات شعب مُحبط يعاني الكثير للحصول على أساسيات حياته اليومية، واحتجاجات ترتبط بمعيشة الناس والضائقة التي تضغط عليهم اقتصاديا واجتماعياً حتى درجة الاختناق، في دولة تستنزفها العقوبات، وتلتهم ميزانيتها مشاريع توسّع خارجية، وإنفاق هائل على أذرع مسلحة في عدة بلدان، وأهمها لبنان والعراق واليمن. أمّا قدرة الحكومات المتعاقبة على إنقاذ الاقتصاد، فبقيت صورية ومحدودة وعاجزة عن تقديم الحلول الواقعية، وكانت تلتف على كل ذلك بالمزيد من تطبيق سياسات التخويف والضبط الأمني.

في المقابل، لم يتعلّم النظام الإيراني من دروس الماضي، ولا سنن التغيير والتبديل التي تُصيب الأمم والشعوب، بل يعمل كما في كل مرّة، على محاولة تفكيك الاحتجاجات عبر اتهامات التخوين، وربط المحتجين بالخارج والأجندات الصهيونية والأميركية، وإطلاق يد القوى الأمنية في قمع الناس وارهابهم والزجّ بهم في السجون. لا إصلاح ولا تغيير، ولا حوار ولا خطط اقتصادية ترفع عن كاهل هؤلاء عبء نتائج سياسات فاشلة وغير حكيمة على مرّ عقودٍ طويلة.

أما سؤالنا الثاني فهو: إلى أين ستصل الأمور إذا اتسعت الاحتجاجات ووصلت إلى نقطة اللاعودة؟

الإجابة على هذا السؤال تستدعي وضع سيناريوهات مهمة على طاولة البحث، ولها صلة بحجم تماسك أجهزة الدولة، وقدرة المحتجين في الشارع على التحمّل والاستمرار في تحركاتهم. سؤالنا، يعني البحث في العوامل الداخلية التي تحكم مسار التغيير المطلوب، ومنها:

أولاً، الاحتواء الأمني، وما يعنيه من تشديد قبضة السلطة، وتنفيذ عمليات قمع عنيفة، وحملات اعتقالات واسعة، يتبعها إجراءات تهدئة صورية كتغيير وزاري محدود، ووعود بمكافحة الفساد، وحلول اقتصادية لن ترى النور، وستبقى أسيرة الأدراج.

ثانياً، استمرار التظاهرات ومحاصرة السلطة لها لتشتيتها تدريجياً، ومنع توسّعها جغرافياً، والتعامل معها بالحد الأدنى من العنف لاستنزاف المحتجين ودفعهم إلى اليأس والعودة إلى بيوتهم وأعمالهم دون تحقيق أي انجاز. هذا السيناريو هو حتماً سيكون نتيجة عدم وجود قيادة موحدّة للمحتجين، وعدم امتلاكهم برنامجاً انتقالياً مقنعاً يُشكل بديلاً للسلطة القائمة. وخطورة هذا السيناريو هو أنه يوسّع الفجوة الموجودة أصلاً بين الدولة والناس، ويزيد من ثقل الأزمات، وهجرة العقول والشباب وهروب رؤوس الأموال.

ثالثاً، وهو سيناريو لا يبدو حتى الآن أن معطياته متوفّرة بالوزن اللازم لحصول التغيير. أي حصول انقسام داخل السلطة وصراع على مراكز القوة يؤدي إلى موقف حاسم للمؤسسات العسكرية فترفض الانخراط في أعمال الترهيب والقمع.  بل تساعد على ارتفاع منسوب الاحتجاج في الأوساط الشعبية وعلى مساحة الخريطة الإيرانية. هذا السيناريو - كما قلنا- غير متاح الآن لكنه الوحيد الذي يجعل سقوط النظام احتمالاً قريباً.

السؤال الثالث، وهو الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين من متابعي الشأن الإيراني: هل يوجد إمكانية فعلية لسقوط النظام دون أي تدخل دولي عسكري أو سياسي؟

الجواب هو قطعاً، نعم، ولكن التعقيدات داخل إيران أكبر مما يعتقد البعض. وهي تبدأ من أن بنية النظام ليس موحدة، بل هي مؤلّفة من شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والعقائدية الدينية الصارمة، فندرك أن سقوط الحكومة لا يعني سقوط النظام، وحتى مقتل قيادات بارزة ومؤثرة كما حصل في الغارات الإسرائيلية سابقا، لا تؤدي بطبيعة الحال إلى انهيار الهيكلية القيادية الحاكمة، في ظل وجود سلسلة مراكز قوى متعددة تمتلك موارد مالية وبشرية وخبرات، تسند بعضها وتغطي الخلل في أي واحدة منها.

الأمر الثاني من حزمة التعقيدات الداخلية، هو غياب البديل الوحيد والمؤثّر داخل المجتمع، والذي يُطمئن الشرائح الشعبية الصامتة أو المترددة داخلياً، لا سيّما وأن المجتمع الإيراني هو خليط من مكونات اجتماعية وقومية ودينية متشابكة، إضافة إلى حساسية مفرطة مع دول الجوار، وهي متعددة التوجهات الأثنية والدينية والخيارات السياسية. أما النظام الحالي فهو يُجيد وبكفاءة استخدام فزاعة الفوضى والتخويف من دخول المجهول، لابتزاز الداخل بأمنه، والمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي كله بموضوع الاستقرار.    

 

أين الولايات المتحدة من هذا الوضع، وهي التي تجرأت ونفّذت عملية واسعة النطاق في فنزويلا واعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلتهما إلى نيويورك لمواجهة اتهامات جنائية؟. العملية وبعيداً عن قانونيتها وإخلالها بمفهوم سيادة الدول، أحدثت صدى واسعاً في دول تعيش أوضاعاً متشابهة من الاحتقان والانهيار الاقتصادي والعقوبات وفي مقدمها إيران، وأرسلت رسالة واضحة ومفادها أن الولايات المتحدة لا تؤمن بوجود أنظمة محصنة، ولا تمنح القوانين الدولية أي اعتبار عند اعتاب مصالحها. بل هي قادرة في حال توفرت الظروف على التدخل واستهداف رؤوس هذه الأنظمة وحتى اسقاطها لغاية في نفسها، وحتى الآن/ وكما نرى، نفس واشنطن وشهيتها، لم تُفتح بعد على طبق إيران.

تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه إذا قتلت إيران متظاهرين سلميين فإن بلاده "ستأتي لمساعدتهم"، واعتقال مادورو ساهما جزئياً ومعنوياً بتنشيط حركة الاحتجاجات والدفع لتوسّعها في الداخل الإيراني، وهذا ما تريده واشنطن في الوقت الحالي، وهي التي تدرك جيداً أن ما يصحّ في كاراكاس يختلف بشكل جذري وعميق عن طهران التي أزعجت حكامها أصوات الطائرات المروحية لقوات الدلتا الأميركية في كاراكاس وزادت من قلقها وربما بدأوا بتحسّس رؤوسهم. ولأن "تأثير الفراشة" الذي يُغيّر المزاج والتقديرات لدى رأس القمة الحاكمة كما في القاعدة الشعبية، غالباً ما ينجح، فمن المؤكد، ان ساعة التغيير في إيران قد بدأت تعجّل من سرعة حركتها، بانتظار توافر شروط داخلية وتبلور بديل سياسي قادر على ملء الفراغ، واشارات قبول ورعاية خارجية، ولا يبدو أن ذلك ببعيد.